Free Web Hosting | free host | Free Web Space | Web Hosting

 

red-eagle.20m.com
red-eagle.20m.com تشي غيفارا : حياته ، قصة استشهاده ، صور ، بالاضافة الى أجمل الاغاني الثورية
حنظلة : قصة حنظلة ، الفنان الخالد الشهيد ناجي العلي  -مجموعة من الكاريكاتير
- وديع حداد - غموض الحياة .. غموض الموت
يا زهرة النيران في ليل الجليل ، إما فلسطين وإما النار جيلا بعد جيل
نسور الحرية : اسرى الحرية في المعتقلات والسجون الصهيونية والفلسطينية (السلطوية) والمعتقلين في المعتقلات العربية والامبريالية العالمية
لكم المجد يركع

وديع حداد

ننقله لكم عن مجلة الهدف على عدة حلقات

 

الزمان :
28 اذار 1978
المكان : مستشفى الشرطة في برلين الشرقية .
يئس الاطباء واعلنوا عجزهم .. يئس القلب من المقاومة وخان .. استراح الرجل الذي لايرتاح . لم يكن الطبيب - المريض غافلا عن خطورة حالته . عبثا حاول أن يعاند . أن يقنع الموت بمنحه بعض الوقت . حسرة القائد يلدغه القدر في اوج معركته ، خيبة الملاكم يتنكر له النبض قبل استكمال تسديد الضربات ، بكى رفيقه في الاخطار والاهوال . بكر الموت ... قال خطفه في الخمسين . ظلم القدر من افنى ايامه في مطاردة الظلم الذي لحق بشعبه .
لم يكن يخشى الموت .. كان يعرف أن جائزة من يسلك ذاك الطريق الزنزانة أو القبر ، لكنه كان يحلم بإرجاء الرقاد المديد . التوقيت غير مناسب فعلا ، لا يزال الاطفال يولدون في المخيمات ويسمون لاجئين ، لاتزال تلك البلاد أسيرة ، ولا يزال المحتل يستكمل جراحاته لتغيير ملامحها وتزوير وثائق تاريخها ومستقبلها .

الدكتور وديع حداد ..
بكى رفيقه في الاخطار ، هجم عليه شريط الذكريات .. الدوريات الاولى الى الاراضي المحتلة ، أول الرصاص واول الشهادء ، حق الضحية في اختيار أسلوب مقاومة جلادها ، الطائرات الى " مطار الثورة" وعملية اللد وعملية أوبك وعملية عنبتي وعملية مقديشو . ومطاردة طائرات "العال" في كل مطار و"وراء العدو في كل مكان" .
التجوال الدائم بين المقرات السرية في بيروت . والمواعيد المتنقلة بين بغداد وعدن ومقديشو . الاستطلاع واختيار الاهداف وإعداد الوثائق والمنفذين والساعة صفر . في ذلك اليوم وفي المستشفى البعيد بكت زوجته وحفنة الخلص الذين شهدوا الاغماضة الاخيرة ، وفي أماكن كثيرة بكى كثيرون ، رفاقه في المجال الخارجي خسروا قائدا كان "مدرسة في نكران الذات" وحزن رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتذكره رفاقه في حركة القوميين العرب . حزن عليه شباب المخيمات ، وبكى ثوار من أصقاع كثيرة وفدوا اليه ، تعلموا وتدربوا ، وتركوا في العواصم دويا وسع دائرة المعركة ، صاروا يتامى ، كارلوس الذي كان اسمه سالم يقيم اليوم في السجن ، "ومريم" اليابانية في السجن أيضا ، تبدد الشمل وتغير العالم ، لم يكن واردا أن يرتاح ابن صفد في تراب صفد ، فلا هو ينام تحت علم الاحتلال ولا الاخير يطمئن الى ساكن القبر ، كان يبحث عن وطنه والان يبحث عن أشبار في الغربة .
العمل في المنفى والقبر كما العمل .
وفي 31 مارس "اذار" ووري في بغداد .
عندما اختار وديع حداد العمل السري ، لاعتقاده انه الانجع في إيذاء العدو ، ألزم نفسه ورفاقه القواعد الصارمة لهذا العمل ، والتعاون مع اي فصيل تحكمه حدود واضحة ، كانت الفاعلية هي الهاجس ، ومن اجلها أسقط الرجل من حسابه لعبة الصفوف الامامية ، وبريق المواكب والصالونات ، ومتعة الابتسام امام العدسات ، لم يدل بحديث صحفي ولم يترك مذكرات وحين غاب اصطحب معه غابة أسراره .
وشاءت الاقدار ان يمتد عالم الاسرار الى موته نفسه ، فحتى الساعة لا يزال الجميع يعتقدون انه مات مسموما .
أخذ وديع أسراره معه .. وحفظت النواة الصلبة من رفاقه السر ، فقد تشربت روحية القائد وأسلوبه . ضاعف صمت العارفين الغموض .
لم يتسلل احد الى قلعة الاسرار ، فجاءت كل الروايات ناقصة ، أو خاطئة أو معادية مقتصرة على جانب وحيد من شخصية الرجل ، الذي تتخطى تجربته خطف الطائرات ورعاية كارلوس والفصائل الثورية ، فقصته جزء من قصة شعبه وقصة المنطقة .

حبش والطائرات واوبك
بعد ثلاث وعشرين عاما على غيابه ، بقيت أسئلة كثيرة بلا إجابات
لماذا سلك الطريق الذي سلكه ؟
ما قصة إقامته في سجن الجفر الاردني ؟
وماذا فعل هناك ؟
لماذا بكر في الرهان على العمل المسلح ؟
وكيف نجح في خطف د.جورج حبش الذي كان معتقلا في سورية؟
وما قصة العلاقة بين الرجلين ؟
ومتى وقع الافتراق ؟
لماذا خطف الطائرات ؟
ولماذا اوبك واللد وعنبتي ومقديشو؟
ماهي علاقته بكارلوس ؟
وماذا دار في اللقاء الاخير بينهما؟
لماذا خانه سياد بري؟
وهل التقى فعلا يوري اندربوف وماذا دار بينهما؟ وماذا طلب كل منهما من الاخر؟
ما قصة مصنع الوثائق ؟
كيف كان يعيش؟
من دون ان ننسى ان نسأل السؤال هل مات مسموما ؟
يزعم هذا التحقيق انه يجيب عن هذه الاسئلة

من حق القارئ علينا ان نروي قصة التحقيق .. في العام 1995 رى مع الدكتور ور حبش ، مؤسس البهة الشعبية لتحرير فلسطين ، حوار طويل . كان حبش كعادته على عادته جريئا ونبيلا ، وينتزع تقدير من يتفق معه واحترام من يختلف ، سئل الدكتور حبش عن وديع حداد وعلاقته به وذكراه ، صمت الرجل قليلا ، وطفا الحزن على وجهه ثم اجهش في البكاء المشحون بألم ظاهر ، ودفع الامر مرافق حبش الى الحضور من الغرفة المجاورة ، وتمنى عليه مغادرة الصالون ، ففعل ليعود بعد دقائق موضحا : " ان وديع حاضر في عقلي وقلبي " ماجرى بقي عالقا في الذهن . علاقة حميمة واستثنائية ربطت الرجلين ، وإن اسلوب العمل أدى الى تباعد بينهما .
وسيظهر هذا التحقيق عمق هذه العلاقة ، ثم تباين وجهات النظر في اواسط السبعينات وصولا الى العتاب المرير الذي اختلط بالدموع في فندق بغداد في 1976 . كان ذلك اللقاء الاخير بينهما ، ففي اللقاء التالي في 1978 سيقف حبش لرثاء رفيق كفاحه ودربه .
قبل عامين وفي ذكرى عملية اوبك التي حصلت في 21 \12\1975 برز السؤال :
الى متى تبقى هذه العملية غامضة وعرضة لتضارب الروايات الناقصة ؟ ولماذا لانحاول الوصول الى اللاعبين الاساسيين فيها ؟
لكن كارلوس في السجن الان ، وزيارته ممنوعة على الصحافيين لذا كان البحث عن مساعده ، الذي تولى ادارة المفاوضات في بعض المحطات العربية للعملية . ولم تكشف الايام هويته .. بعد شهور تبين ان ذلك الشاب هو انيس نقاش .. الذي اخفى سر مشاركته في عملية اوبك ربع قرن ، امضى منها عشر سنوات في سجن فرنسي لمحاولته اغتيال رئيس الوزراء الايراني السابق شهبور بختيار ، وبعد محاولات عدة ، وافق نقاش على البوح بالسر ، وكشف جوانب غير معروفة من عملية اوبك ومرة جديدة ، ساهمت روايته في اثارة الاهتمام بموضوع وديع حداد .
صورة يتيمة
في سجنه قرأ كارلوس رواية نقاش ، وكانت له عليها ملاحظات ، لكن بعد روايتي نقاش وكارلوس ظلت قصة اوبك وقصص كثيرة اخرى ناقصة ، دون قصة وديع حداد . في العودة الى الارشيف لم نحصل الا على عناوين وردود افعال على عملياته التي هزت العالم ، وفي الكتب التي تحدثت عن الحقبة واحداثها العديد من الاشاعات والتكهنات والسيناريوهات ولكن القليل من المعلومات الاكيدة . بعضهم اختصر قصة الرجل ، وقصرها على تلك المرحلة التي كان يدير فيها كارلوس . البعض الاخر صوره رجلا ارهابيا قاسيا ، يعمل في الظلام ، مشغوفا بخطف الطائرات ، وثمة من نسب اليه اعمالا لا علاقة له بها من قريب او بعيد ، وتعمد تجاهل كونه صاحب قضية ، اولا وأخيرا ، سواء اتفقت مع اسلوبه ام اختلفت
سعينا الى الحصول على صورة جديدة لوديع حداد غير تلك الصورة الوحيدة ، التي تتكرر منذ عقود ، فتبين ان وكالات الانباء والصحف لاتملك غير تلك الصورة اليتيمة .
هل يجوز ان تبقى تجربة وديع حداد محاطة بالغموض او الكتمان ، ومتروكة للكتب الاسرائيلية او الغربية التي تتحدث عن مايستروا الارهاب والارهابيين ؟.
او ليس من حق جيل الانتفاضة وهو وريث التجارب المتراكمة ان يعرف تلك التجربة ؟ او ليس من حق الشباب العربي الذين ولدوا بعد غياب حداد او عشية ذلك الغياب ان يقرأوا قصته بغض النظر عن الاتفاق مع اسلوبه او الاختلاف معه .؟ لكل هذه الاسباب يجري البحث عن وديع حداد في ذاكرة من عرفوه عن قرب .
كان الموضوع صعبا ومنهكا ..
الذين يعرفون القصة بشموليتها حفنة أشخاص بين بعضهم اليوم الاف الكيلومترات ، ولم يكن الوصول سهلا ، فهؤلاء يعيشون بالاسلوب السابق نفسه ، بعيدا عن الاضواء وبعيدا عن البوح . كان لابد من الحصول على أرقام الهواتف وكسر الحذر التقليدي لديهم ، وكان لابد من حوارات متكررة ، خصوصا انه لم يسبق لهم ان سجلوا اما الة تسجيل .
اسلتزم الامر شهورا ورحلات .. وحين وافقوا على التحدث ظهرت عقبة جديدة ، لاصور ولا اسماء ، دار نقاش طويل تبين منه ان ورثة وديع لم يتقاعدوا غداة وفاته ، وان الخوض في الصور والاسماء يرتب تبعات قانونية ، على رغم توقف كل نشاط لهم منذ 1990 ، وتقتضي امانة التسجيل ان هؤلاء يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة ، قاوموا بعد وفاة وديع كل انواع الاغراءات ، ورفضوا التحول الى باعة اسرار ، او وضع خبرتهم في تصرف دول او اجهزة .
هذا التحقيق كتب استنادا الى رواية أقرب الناس الى وديع ، متضمنا على صور خاصة تنشر للمرة الاولى ، واوراق بخط القائد الفلسطيني .
في الشهور الاخيرة من العام 1977 بدات متاعب حداد الصحية خلال وجوده في بغداد ، لم يتوقع الاطباء ان يكون المرض عضالا ، ورجح التشخيص في البداية شكلا من اشكال القرحة ، وكانت العوارض تصب في هذا الاتجاه ، نوبات الالم المعوي الشديد ، وعدم المقدرة على تقبل الغذاء بكل اشكاله ، التقيؤ واستفراغ الدم احيانا ، تشنجات في الجهاز الهضمي ، عاينه أخصائيون في الجهاز الهضمي في بغداد ورجحوا انها القرحة واخضعوه لحمية . عرضوا عليه مجموعة من الادوية فوافق على تناول بعضها ، كان يدقق في الادوية التي ينصح بتناولها ، فقد كان طبيبا ..
استفحال المرض
في يناير ( كانون الثاني ) غادر الى الجزائر واهتم الاطباء بمعالجته ، واجروا له كل الفحوصات اللازمة ، لكن نجله الوحيد هاني ، ولم يكن اتم الخامسة عشرة ، لاحظ حين زاره هناك ان التدهور في صحته كان كبيرا ، تغير رهيب في مظهره وقوته ، استولى الوهن والضعف على جسمه ، لكن وعيه بقي كاملا ، وك>لك قدرته على التركيز . كان مهتما بعدم اظهار الضعف ، لكن صلابة الارادة لاتكفي وحدها لاخفاء التدهور . أغلب الظن انه ادرك كطبيب تفاقم حالته ، لكنه لم يكن يرغب في اظهار ذلك ، تمسك بروتينه اليومي ومتابعة العمل ، وكان يسأل رفاقه الزائرين عن بعض المسائل ، موحيا ان العمل يجب ان يستمر طبيعيا ، كرر له رفاقه اعتقادهم انه يتاخر في الذهاب الى مرحلة علاج اكثر تطورا ..مما يقدم له في الجزائر ، ولعله ادرك ان العلاج الافضل لن يوقف التدهور . انتهت فرصة هاني وعاد الى مدرسته في بغداد .
في اواخر فبراير تزايد التدهور ، وقال الاطباء الجزائريون انهم غير قادرين على القيام بأكثر مم قاموا به .
لم يكن من الوارد أبدا نقل وديع حداد الى عاصمة غربية ، او اي مكان غير موثوق بالكامل ، ففي تلك الفترة كان المطلوب رقم واحد على لائحة الموساد واجهزة الامن الغربية ، لهذا اتجهت الانظار الى اوربا الشرقية ، وعلى الرغم من الجفاء الذي كان قائما بين قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحداد ،رتبت القيادة سفره الى المانيا الديموقراطية في بداية مارس نقل الى برلين الشرقية وتوفي في 28 منه .
لدى تاكيد الوفاة ظهر اكثر من راي ، كان راي رفاقه في الجبهة الشعبية وراي رفاقه المقربين أيضا ان يدفن في لبنان ، فهو يحمل الجنسية اللبنانية ، وفي لبنان ثقل فلسطيني كبير ، راى اهله ان تشييعه في لبنان قد يوفر ذريعة لاسرائيل لافتعال المشاكل ، خصوصا ان الوضع كان غير مستقر ، من هنا ظهرت فكرة دفنه خارج لبنان ، كان الخيار بين الجزائر والعراق ، بحكم العلاقة التي كانت تربطه بالبلدين ، ابدى العراقيون استعداد كاملا لدفنه في بغداد وسط مراسم تليق بمكانته واعتمد هذا الخيار .
خلال وجود حداد في المستشفى ، في برلين الشرقية كان نجله هاني يعيش في بغداد مع خالته نصرة التي حضرت للاقامة معه بسبب وجود والدته الى جانب زوجها ، كان الاقارب قد انقطعوا عن زيارة منزل وديع في العاصمة العراقية بسبب صعوبات الانتقال ، فجاة فتح الباب ودخل اقارب وديع وبينهم قيصر شقيق وديع ، كان هاني قبل ذلك قد عرف ان جده لوالده كان مريض ، وشاءت الصدفة ان يموت قبل اسبوع من نجله ، كان قيصر مربيا ويحب الكتب ، وكان هاني مولعا بها ، قال قيصر لهاني : لنذهب الى مكتبك ونر مافيها ، وحين دخلا قال قيصر : ساخبرك نبا غير مفرح : فأجابه هاني اني اتوقع ذلك ، وهذا مؤسف " مشيرا الى غياب جده ، وتبادلا التعازي وعادا الى غرفة الجلوس ، أدرك قيصر ان الاقارب لم يخبروا خالة هاني بوفاة وديع الذي عاصرت السنوات الاولى من تجربته النضالية ، بعد قليل طلب قيصر من هاني العودة للمكتبة وقال له هناك " سابلغك خبرا صعبا واريدك ان تكون قويا وان لاارى دموعك " وابلغه بوفاة ابيه ، ويقول هاني " الغريب ، حين اعود بالذاكرة ، اننا كنا مؤهلين لتحمل الصدمات ، حزنت ولم ابك على رغم الصدمة الكبيرة ، ثم بدات التعازي ومراسم التشيع ، رافق جثمان وديع الى بغداد ، وفد ضم زوجته ورفاقا له ، ولدى وصول الجثمان الى بغداد انتحى مسؤول فلسطيني بارز بأحد رفاقه جانبا ، وقال له : ان وديع مات مسموما ، واشار الى مسؤولية دولة عربية كانت تربطها بالمتحدث علاقة سيئة ،
شارك في مراسم الدفن كثير من المسؤولين العراقيين ، وغالبية اعضاء القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث ، باستثناء الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين ، كما شاركت قيادات فلسطينية وممثلون لدول صديقة مثل الجزائر واليمن الجنوبي وليبيا .
"سر" الوفاة
وفي ذكرى الاربعين أقيم في بيروت ، حفل تابيني لحداد شارك فيه قادة الفصائل ، وقادة احزاب " الحركة الوطنية " ، كان المرحوم صلاح خلف " أبوإياد" عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ، أحد الخطباء الرئيسيين ، قال: ان مسؤولا في دولة اشتراكية قال له كيف تذهب للمشاركة في تأبين (إرهابي) ورد أبوإياد في كلمته قائلا " اتمنى ان يكون لدينا اكثر من وديع حداد في الحركة الفلسطينية "
منذ وفاة وديع حداد الى اليوم ساد الانطباع بأن حداد قضى مسموما ، لم يكن الامر مجرد اشاعة عابرة ، انها قناعة عدد من المسؤولين الفلسطينيين ومسؤولين في اجهزة امنية عربية وغربية .
وعلى مدار السنوات كانت الروايات تتكرر .
قالت احدى الروايات ، ان حداد كان يمتنع عن تناول الطعام وحتى الشاي ، خارج الاماكن العامة لانه يعرف انه مستهدف من اجهزة كثيرة ، أضافت ان حداد زار يوما مسؤولا عراقيا ونزولا عند الحاح الاخير تناول كوبا من الشاي كان كفيلا لاصابته بتسمم بطئ ثم تسارع التدهور .
قالت رواية اخرى أن حداد اصيب بوعكة صحية عادية اضطر خلالها الى الخضوع لفحوص وعلاجات ، وان طبيبا تولى تسميمه ، وان ذلك ربما حصل في المحطة الجزائرية في رحلته الاخيرة .
وذكرت رواية ثالثة : ان حداد تعرض لاشعاعات مركزة في غرفة الانتظار المجاورة كانت كافية لقتله ، دون ان تترك اي اثر يثبت ما تعرض له .
وذهبت رواية رابعة الى ان الموساد الاسرائيلي فشل في العثور على عنوان حداد لاغتياله بالرصاص لكنه نجح في اختراق جهاز امني عربي ورتب عملية التسميم من خلاله .
ومن سجنه قال كارلوس ان حداد قضى مسموما .
تكاثرت الروايات وراجت ومال كثيرون الى تصديقها وكانت لعض ناشريها مصلحة في الترويج ، مرة لتصفية حساب مع الجهة المتهمة بقتل القائد الفلسطيني ومرة اخرى لادعاء معرفة اسرار لايعرفها كثيرون ، ومع مرور السنوات رسخ في الاذهان ان حداد مات مسموما ، خصوصا ان عائلته التزمت منذ غيابه صمتا كاملا ، وان رفاقه الاقرب امتنعوا حتى صدور هذا التحقيق عن التحدث الى وسائل الاعلام .
سألنا هاني وديع حداد عن الروايات حول وفاة والده مسموما ، مارواه كارلوس ، من ان الذين قتلوا والده هم انفسهم الذين قتلوا هواري بومدين ، فأجاب " لاأستطيع ان اجزم ، الافتراضات كثيرة وتدخل فيها محاولات الصاق التهم والقاء المسؤولية على هذا الطرف او ذاك ، ليس هناك دليل قاطع ، لا أستطيع ان أؤكد او ان انفي " وعما قاله الاطباء في المانيا الشرقية قال : وفق ما اذكر لم يكن هناك تاكيد لحصول عملية تسمم ، شكوا في مادة معينة ، يشاع انها تستخدم بكثرة في عمليات التسميم اعتقد انها " الثاليوم " لم يعثروا على مخلفات واضحة لهذه المادة في دمه او في الانسجة ، يجب ان لاننسى ، انه كان قد تناول كميات كبيرة من الادوية ، ليست هناك ادلة قاطعة على حصول عملية تسمم ، لكن هناك كلام كثير ، بما في ذلك قول انه تعرض للاسلوب نفسه الذي استخدم في تسميم بومدين ، وهذا الكلام لايقدم دليلا قاطعا ، هناك روايات انه سمم بالاشعاعات وان هذا الاشعاع هو الذي حفز السرطان في جسمه .
أحد ابرز عمليات التشخيص لوفاته ، كان سرطان الدم الذي أدى الى نزيف داخلي بلغ الدماغ وقتله ، سمعت روايات كثيرة وقرأت بعض ما نشر في المجلات والكتب ، الكاتب الامريكي ديفيد ايغناتيوس كتب : أن أبو حسن سلامة على اتصال بمصدر في السي اي ايه وجاء في الكتاب ان أبو حسن سلامة ابلغ المصدر ان والدي تعرض خلال وجوده في العراق لاشعاعات مركزة ، لم ارد الدخول في لعبة التكهنات والاتهامات خصوصا ان الادلة القاطعة غائبة .

الرفيق - الشاهد

طرح السؤال نفسه على رفيق ، كان مقربا جدا من حداد كما كان على اتصال بالاطباء الالمان الشرقيين إبان العلاج ، فأجاب :" التحاليل الطبية قالت انه أصيب بنوع من اللوكيميا - سرطان الدم ، انتشر خبر تسميمه فترة وشاع ، الحقيقة لم يثبت لدينا أن وديع مات مسموما ، أجريت الفحوصات الممكنة ، وتمت التحريات الممكنة في حدود المتاح ، ولم يظهر ما يشير الى مسألة التسميم أو يؤكدها . وعما اذا كان الاطباء في برلين الشرقية تحدثوا عن ما يشير الى عملية تسميم ، قال :" بصراحة لم يكن تقديرهم واضحا " سألهم احد الرفاق هل يمكن انقاذه ، لو جاء مبكرا ، فلم يكن الجواب واضحا ، لوحظ ان الاطباء طرحوا أسئلة عدة ، أبرزها : هل كان وديع يتعاطى اعمالا تدخل فيها مواد مشعة ؟ وهل كان يتعاطى صناعة المتفجرات ؟ الواقع انه لم تكن له علاقة بصناعة المتفجرات او المواد المشعة . كان يشدد على اهمية تطوير بعض الاسلحة لكنه شخصيا لم يمارس صناعة المتفجرات .
وسئل اذا كنا نستطيع القول ، أن لدى رفاق وديع قناعة انه لم يمت مسموما ، فأجاب " نعم . أقول في ضوء ما توافر لنا من معلومات ، سألنا عن هذا الموضوع وأجرينا عملية تقاطع للمعلومات الموجودة بما في ذلك مع بعض اجهزة الاستخبارات ، في حدود ما تمكنا فعله ، لم يظهر اي دليل ان وديع مات مسموما ".
رفيق اخر كان الى جانب وديع في العقدين اللذين سبقا وفاته ، وربطته به علاقة حميمة قال " ان السؤال يعيد فتح جرح قديم ، لاأبالغ ان قلت ان هذا السؤال طاردنا طويلا . ما انتهى اليه الاطباء هو أن وديع أصيب بنوع من سرطان الدم ، لكن أسألتهم أوحت احيانا ان شكوكا تراودهم حول عملية تسميم ، لم يظهر ما يؤكد ذلك ، ولا يمكن الأخذ بالروايات التي انطلقت هنا وهناك ، وإذا شئت صراحة اقول لكم اليوم انه أصيب بسرطان في الدم ، لكن لاتزال لدي بعض الشكوك "

   

 


<< يتبع

أغنيات للحرية : مجموعة من الاغنيات الثورية التي غنت من أجل الوطن والحرية
المكتبة اليسارية : مجموعة من الكتب والمقالات ذات الرؤى التقدمية ، نسعى من خلالها لتنمية الوعي اليساري ولخلق رؤية جديدة للواقع المعاش
مواقع نحترمها : دليل للمواقع اليسارية والتقدمية على شبكة الانترنت
اشترك معنا : مجموعة المراسلات عبر البريد الالكتروني
مواضيع قديمة
سجل الزوار : اضف ملاحظاتك واقتراحاتك